الجامعة اللبنانية في خطر بقلم جان زغيب

مهما ركضت الأيام، وتعبت الشكاوى، فالكلام لا يتعب والحق لا يختبئ. منذ سنوات، وعندما كنت على المقاعد الدراسيّة في مدرستي الخاصة، كنت أقارن كلّ ما حولي ومنه الأسوأ ومنه الأفضل. فكنت أرى الفرق بين المدارس الخاصة والكفوءة وبين المدارس الرسميّة التي يطغو عليها الفقر المادي والمستوى العلمي الضعيف. وحينها كانوا يقولون ” كل شي بحقّو” وكيف؟ وإن كان القسط في الخاصة يغطّي أي خلل، فصندوق الدولة عليه أن يعطي ولا يأخذ وإلاّ فما حاجة الرسميّة التي هي للطبقات الوسطى والفقيرة.
دخول الجامعة
بعد المدرسة ترى أنّ وضع الجامعات يختلف وكلها متساوية من حيث المباني والتسهيلات وتتفاجأ ولا يمكنك السكوت عمّا يصدمك ويغتال حلم طالب أراد لوطنه أن يبدأ باحترام أبسط الأمور ألا وهو بيت الطالب. إذا كنت في بيئتين مختلفتين أي في جامعة خاصة ولبنانية، تتوضّح الأمور أمامك وكل ما سيرد في هذا التحقيق سأضعه برسم الرأي العام.
لا أتكلم عن دخول جامعة خاصة أو لبنانية لأنهم يقولون مجدداً ” كل شي بحقّو” ولكن أردت الكلام عن المبنى والمعاملة والتسجيل والإدارة وكل المكونات الأساسية التي يحتاجها الطالب. يقولون الجامعة اللبنانية من “أقوى” الجامعات في الشرق والعالم، لذلك فليأتي كل من في العالم لنريهم كيف نحافظ على الطلاب والمستوى والحضارة. لنريهم الجو العام الذي يقتل الطالب الجامعي، لنريهم صورة نفسيّة المسؤولين وانشغالهم بالطائفية والسياسة ولغة القتل والتهديد والوعيد و تركهم الجامعة في أحضان الفقر واليأس والحرمان. وكيف يقولون أننا في القرن الحادي والعشرين؟ والجامعة التي مهّدت لهم طريق النجاح يسكبون عليها نار السخرية واللامبالاة.

الفرق بين “الخاصة” و”اللبنانية”
في بادئ الأمر، ساتكلم عن الفرق الهندسي والترتيب من حيث الإنشاءات والمبنى ككل. اذا دخلت الجامعات اللبنانية الفرع الثاني تحديداً في جبل لبنان، ترى المباني المهترئة فلا صيانة أو اعادة اعمار ولا تجهيزات والأكواخ أكثر ترتيباً منها. وفي المقابل تدخل الجامعات الخاصة لترى إنشاءات تريح الطالب وتدفعه للإجتهاد ضمن بيئة ملوّنة تريح الضيف والعيون.
اذاً من حيث التجهيزات في “اللبنانية”، لا ترى مكيّفاً إلا وهو قديم أو معطل فتضطر لأن يقتلك حرّ الصيف لأنّ المال العام يهدر و”يكيّف” عبره مسؤولو الدولة. وحتى انه للنوافذ قصصها ، صدّق او لا تصدق فهي إما مكسورة أو لا تقفل او ناقصة، فينحر بك برد الشتاء والعواصف فتعطل دراستك أو تغامر في طبيعة “اللبنانية”. أما الخاصة فلا كلام يصف مدى كمال التجهيزات وان اشتكيت ليتم اصلاح أو زيادة جهاز فستتم العملية مباشرة دون أي تلكّؤ.
وهنا أذكّر لا يقال “كل شي بحقو” لأنّ لا مؤسسة اغنى من الدولة ولا رقي الا ويجب أن يصدر من الدولة فإن كانوا يدفعون آلاف الدولارات في الخاصة فعلى الدولة دفع الملايين في جامعاتها لتخرّج أمة مثقّفة غير امية.

أين المكننة في الجامعة اللبنانية؟
في هذا السياق، يجب ان نوضح للناس أنّنا في عصر المكننة والتكنولوجيا الرقمية وكل ما كنا نكتبه على الورق نستبدله في الكثير من الأمكنة بملفات رقمية على الكومبيوتر وأجهزة الإتصالات.
أولا ان كان عدد الطلاب يتخطى الألف يمكن ان تشتري الجامعة برنامجاً يسجّل الطلاب وهم في منازلهم عبر الإنترنت كما تفعل الجامعات الخاصة. ففي هذا القرن تصدر بعض البطاقات بخط اليد؟ فهل يجوز ذلك؟
وثانياً فالمكننة في الأصل تسهّل أمر التسجيل فتريح الطلاب والموظفين وتختصر الجامعة الوقت اللازم ويصبح الأرشيف الكترونياً وليس بملفات ياكلها الزمن او انها تحتاج لدهر عند البحث فيها ولا يقف الطلاب أرطالاً ينتظرون في ظروف قاهرة أن يسرّع الموظف المتشنج التسجيل او أي ملف آخر.
ومن هنا يجب على الدولة أن تضع حلاً مناسباً لأنه من “العيب” في هذا الزمن “بهدلة” الطلاب وجعلهم أسرى الجهل والتخلف والإهمال من بعض ممن لا يفهمون أنّ التكنولوجيا حاجة ضرورية.

إذا أراد المسؤولون السرقة، فليسرقوا وليفعلوا شيئاً بالمقابل. يكفي أن تضع الدولة مبلغاً وليس بكبير لترميم مبنى يهترئ على أيادي الذلّ. أو فلينقلونا الى مبنى حيث تتنفّس الإدارة وتجهز لتكون قادرة على استيعاب كل هذه الضغوط. فبمن أتمثّل؟ وماذا أتقن إن كانت المكننة والتجهيزات والحد الأدنى غائبين عن الجامعة اللبنانية .
المستوى الأخلاقي أهم بكثير من المستوى العلمي، فإذا لديهم القليل منه فليظهروه لأنه يحقّ لكل لبناني وطالب لبناني أن يسأل ويطالب لأنّ الجامعة اللبنانية التي هى عرين الحرية والثقافة و التي خرّجت الأبطال وصانعي التاريخ، تحتاج للكثير من المساعدات على الصعيد الإداري والتقني والعمراني. إذهبوا وانظروا بأنفسكم الوضع المزري الذي أضعه برسم المسؤولين وأصحاب النيات الحسنة التي تناضل في سبيل تقدم هذا الوطن. توّحّدوا على فكرة بناء الجامعة اللبنانية وترميمها قبل أن توقّعوا الإتفاقات وتتوحدوا فيما نعاني ولا ننال الجواب الصريح أو الإصلاح من أيّ مسؤول حمل لواء التغيير والتقدم نحو الأمام. والجامعة اللبنانية ، في خطر، خطر الحرمان والقلّة والمستوى بعد مقتل نفسيّة الطالب الجامعي.

جان زغيب

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>